ابن تيمية

98

مجموعة الفتاوى

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَلَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ عَامَلَ عَلَى عَهْدِهِ أَهْلَ الْيَمَنِ بَعْدَ إسْلَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُعَامِلُونَ بِذَلِكَ . وَالْقِيَاسُ الصَّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ مَعَ عمومات الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ الْمُبِيحَةِ أَوْ النَّافِيَةِ لِلْحَرَجِ وَمَعَ الِاسْتِصْحَابِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : أَنَّ هَذِهِ الْمُعَامَلَةَ مُشَارَكَةٌ ؛ لَيْسَتْ مِثْلَ الْمُؤَاجَرَةِ الْمُطْلَقَةِ ؛ فَإِنَّ النَّمَاءَ الْحَادِثَ يَحْصُلُ مِنْ مَنْفَعَةِ أَصْلَيْنِ : مَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الَّتِي لِهَذَا كَبَدَنِهِ وَبَقَرِهِ . وَمَنْفَعَةِ الْعَيْنِ الَّتِي لِهَذَا كَأَرْضِهِ وَشَجَرِهِ كَمَا تَحْصُلُ الْمَغَانِمُ بِمَنْفَعَةِ أَبْدَانِ الْغَانِمِينَ وَخَيْلِهِمْ وَكَمَا يَحْصُلُ مَالُ الْفَيْءِ بِمَنْفَعَةِ أَبْدَانِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قُوَّتِهِمْ وَنَصْرِهِمْ ؛ بِخِلَافِ الْإِجَارَةِ . فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا هُوَ الْعَمَلُ أَوْ الْمَنْفَعَةُ . فَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ لِبِنَاءٍ أَوْ خِيَاطَةٍ أَوْ شَقِّ الْأَرْضِ أَوْ بَذْرِهَا أَوْ حَصَادٍ فَإِذَا وَفَّاهُ ذَلِكَ الْعَمَلَ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمُسْتَأْجِرُ مَقْصُودَهُ بِالْعَقْدِ وَاسْتَحَقَّ الْأَجِيرُ أَجْرَهُ . وَلِذَلِكَ يُشْتَرَطُ فِي الْإِجَارَةِ اللَّازِمَةِ : أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ مَضْبُوطاً كَمَا يُشْتَرَطُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمَبِيعِ . وَهُنَا مَنْفَعَةُ بَدَنِ الْعَامِلِ وَبَدَنِ بَقَرِهِ وَحَدِيدِهِ : هُوَ مِثْلُ مَنْفَعَةِ أَرْضِ الْمَالِكِ وَشَجَرِهِ . لَيْسَ مَقْصُودُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِيفَاءَ مَنْفَعَةِ الْآخَرِ وَإِنَّمَا مَقْصُودُهُمَا جَمِيعاً : مَا يَتَوَلَّدُ مِنْ اجْتِمَاعِ الْمَنْفَعَتَيْنِ . فَإِنْ حَصَلَ نَمَاءٌ اشْتَرَكَا فِيهِ . وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ نَمَاءٌ ذَهَبَ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا مَنْفَعَتُهُ فَيَشْتَرِكَانِ فِي الْمَغْنَمِ وَفِي الْمَغْرَمِ كَسَائِرِ